اتجاهات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي التي ستشكّل 2026 في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

20 يناير 2026 /

بقلم: عمران أيوب، المؤسس المشارك في شركة مايندفيلد إنتليجنس

صعود الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط

لم يعد الذكاء الاصطناعي فكرة بعيدة المنال؛ بل أصبح أداة عملية تعيد تشكيل الأعمال اليومية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. في عام 2024، أفادت حوالي 60٪ من المؤسسات في المنطقة باعتماد سريع للذكاء الاصطناعي، مما يعكس رغبة واضحة في الانتقال من التجربة إلى التطبيق الفعلي. وبحلول عام 2026، ستصبح الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من العمليات، مما يساعد الشركات على اتخاذ قرارات أسرع، وتحسين تجربة العملاء، وتقليل الأعمال اليدوية.

يدعم هذا التقدم بشكل كبير الخطط الوطنية في المنطقة. تشترك استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، واستراتيجية السعودية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، والمؤسسة الوطنية للذكاء الاصطناعي في قطر لتعزيز التحوّل الرقمي، واستراتيجية مصر الوطنية للذكاء الاصطناعي في الهدف نفسه: دمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات العامة، إعداد الكوادر المحلية، وجذب الاستثمارات العالمية.

وربما يكون التحوّل الأهم هو سعي المنطقة لتصبح مركزًا عالميًا للطاقة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي. تعمل الإمارات والسعودية وقطر على بناء مراكز بيانات ضخمة وسيادية، وتكوين شراكات مع شركات مثل مايكروسوفت، وAWS، وجوجل، وأوراكل، وإنفيديا. هذه الاستثمارات لا تعزز القدرات الوطنية فحسب، بل تمهّد الطريق لموجة جديدة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي العملية التي ستعيد تشكيل طريقة عمل الأفراد والشركات في المنطقة بحلول عام 2026.

اتجاهات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي الوكيل: زملاء رقميون يتخذون المبادرة

من المتوقع أن يشهد عام 2026 تحولًا كبيرًا مع ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي التي لا تكتفي بالإجابة على الأسئلة، بل تتخذ الإجراءات بشكل مستقل. يمكن لهؤلاء “الوكلاء الرقميون” إنجاز المهام من البداية إلى النهاية، بما في ذلك إعداد التقارير، ومراقبة سلاسل التوريد، وتصنيف طلبات العملاء، واكتشاف أنماط الاحتيال، وتعديل حملات التسويق الرقمي. ويمكن دمجهم مباشرة في سير العمل وعمليات الشركات، ليعملوا جنبًا إلى جنب مع الفرق البشرية، مما يسرّع المهام الروتينية ويقلل الاحتكاك التشغيلي. مع الوقت، يخلق هذا نموذج قوى عاملة هجينة، حيث يركز الموظفون البشر على اتخاذ القرارات، والإبداع، وبناء العلاقات، بينما يتولى الوكلاء الرقميون المهام المتكررة والحساسة للوقت التي غالبًا ما تبطئ الأداء.

مثال بسيط على هذا النموذج الهجين يمكن أن يكون فندقًا يستخدم وكيل ذكاء اصطناعي لتحديد اتجاهات الحجز تلقائيًا، وتعديل أسعار الغرف، وتنبيه الموظفين بالفترات المزدحمة القادمة، ما يمنح فريق الإيرادات وقتًا أكبر للتركيز على تجربة الضيوف بدلًا من التحليل اليدوي. مثال آخر لشركة لوجستية يعتمد فيها وكيل ذكاء اصطناعي على مراقبة الشحنات في الوقت الفعلي واقتراح مسارات بديلة فور اكتشاف أي تأخير، مما يتيح للمديرين البشر التركيز على التخطيط الاستراتيجي والتواصل مع العملاء.

يتصرف هؤلاء الوكلاء كمتدربين رقميين لا يكلّون أبدًا، يتعلمون العمليات اليومية، ويدعمون الموظفين بالتعامل مع المهام المتكررة. وسرعان ما سيصبحون جزءًا لا يتجزأ من العمل اليومي.

التحليل التنبؤي والتوقع يصبح أساسًا للعمليات الرقمية

مع توسّع الأسواق الرقمية في الخليج وشمال أفريقيا، تواجه الشركات توقعات متزايدة من العملاء وبيئات تشغيلية أكثر تعقيدًا. وحتى الآن، اعتمدت العديد من المؤسسات على اتخاذ القرارات بشكل تفاعلي، حيث تتعامل مع ارتفاع الطلب أو تأخر الإمدادات أو مشكلات العملاء بعد وقوعها فقط. ومن المتوقع أن يصبح هذا النهج قديمًا بحلول عام 2026، لتصبح التحليلات التنبؤية للبيانات والتوقعات المدعومة بالذكاء الاصطناعي من الركائز الأساسية للعمليات اليومية.

بدلاً من الانتظار لظهور المشكلات، ستستخدم الشركات نماذج الذكاء الاصطناعي لتحليل الأنماط عبر بيانات المبيعات، والظروف الجوية، والأحداث المحلية، والنشاط التسويقي، وحتى اتجاهات وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الأنظمة لن تكتفي بوصف ما يحدث، بل ستتنبأ بما يُحتمل أن يحدث بعد ذلك.

كمثال في التجارة الإلكترونية: مع اقتراب العيد، قد يلجأ المستودع إلى منصة ذكاء اصطناعي قامت بتحليل سنوات من بيانات الطلب الموسمي، وعادات التصفح الإقليمية، وسلوك الشراء على مستوى المدينة. يقوم النظام بضبط المخزون تلقائيًا بإضافة كميات لفروع معينة وتقليلها في أخرى.

وسينتشر هذا النوع من التوقعات إلى ما هو أبعد من البيع عبر الإنترنت. في مختلف القطاعات، سيحول الذكاء الاصطناعي التنبؤي الشركات من رد الفعل على الأحداث إلى التحضير لها. في الأسواق التنافسية، خاصة التجارة الإلكترونية، ستكسب الشركات التي تتوقع احتياجات العملاء بثقة ولاء العملاء على المدى الطويل.

موجة جديدة من المحتوى الرقمي العربي المحلي للتسويق الرقمي

يزداد الطلب على المحتوى الرقمي العربي بسرعة في مجالات الترفيه والتعليم والتسويق. يرغب الجمهور في محتوى يعكس الثقافة المحلية، والفكاهة الإقليمية، واللهجات المألوفة، وليس مجرد ترجمة مباشرة من الإنجليزية. وفي الوقت نفسه، تدرك العلامات التجارية أن التفاعل يرتفع بشكل كبير عندما تبدو الحملات أصلية وملائمة لدولة معينة أو حتى لمدينة محددة.

سيسهّل الذكاء الاصطناعي تحقيق هذا المستوى من التوطين في عام 2026، ستتمكن فرق إنشاء المحتوى والتسويق من استخدام أدوات ذكاء اصطناعي لإنتاج التعليق الصوتي باللهجات الإماراتية أو السعودية أو المصرية أو الشامية، وإنشاء الترجمات الفورية، وتكييف المرئيات لتتناسب مع التفضيلات الإقليمية. بدلاً من إنتاج إعلان عام للعالم العربي بأكمله، ستتمكن الشركات من إطلاق عشرات النسخ المخصصة ثقافيًا، بنفس الميزانية وفي وقت أقل بكثير.

في التسويق الرقمي، سيكون لهذا التحوّل تأثير كبير. ستصبح الحملات على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر تخصيصًا من أي وقت مضى، مع توليد الذكاء الاصطناعي نسخًا متنوعة من المنشور نفسه لتتناسب مع أنماط الكلام المحلية والفكاهة والمرجعيات الثقافية. على سبيل المثال، يمكن لعلامة تجميل في الرياض عرض فيديوهات على تيك توك بصوت باللهجة النجدية للجمهور المحلي، واستخدام اللهجة المصرية للحملات الموجهة للقاهرة. ويمكن لشركة عقارية في دبي استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء مقاطع ترويجية قصيرة مصممة للمشترين في أبوظبي أو الشارقة أو الرياض، كل نسخة بلهجة ومرجعيات محلية مختلفة. كما يمكن لسلسلة مطاعم في الكويت استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء إعلانات على وسائل التواصل باللهجتين الكويتية والسعودية، مع تعديل النبرة لتتناسب مع كل جمهور.

هذا المستوى من التكيف الثقافي قد يزيد بشكل كبير من التفاعل، ومدة المشاهدة، ومعدلات التحويل عبر المنصات. النتيجة هي مشهد تسويق رقمي أكثر ثراءً وملاءمة ثقافيًا، حيث يشعر الجمهور بأن المحتوى مألوف وذو صلة وشخصي.

المساعدون الرقميون المتحدثون بالعربية يصبحون جزءًا من الحياة اليومية

تمتلك منطقة الشرق الأوسط واحدة من أعلى معدلات استخدام الهواتف المحمولة وتطبيقات المراسلة في العالم، ويفضل العديد من العملاء، سواء في الرياض أو القاهرة أو دبي أو عمّان، إرسال رسالة سريعة عبر واتساب أو مذكرة صوتية عند الحاجة للمساعدة. وتزداد الشركات اعتمادًا على الدعم عبر الدردشة، ومن المتوقع أن يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا أكبر في إدارة هذه المحادثات بحلول عام 2026.

حتى وقت قريب، لم تكن معظم روبوتات المحادثة مصممة لمستخدمي اللغة العربية، وكانت تواجه صعوبة مع اللهجات المختلفة. هذا يتغير الآن. من المتوقع ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي الحوارية التي تفهم وتتحدث باللهجات الخليجية والمصرية والشامية وشمال إفريقيا، مما يتيح التواصل بطريقة طبيعية ومألوفة.

وعندما يُصمم هؤلاء الوكلاء الرقميون كنظم ذكاء اصطناعي وكيلة، فإنهم يستطيعون القيام بأكثر من الإجابة على الأسئلة البسيطة. يمكنهم مساعدة العملاء في حجز المواعيد، والتحقق من حالة التوصيل، وطلب الدعم، أو إتمام عمليات الشراء باستخدام النص أو الصوت. على سبيل المثال، يمكن لعيادة استخدام مساعد ذكاء اصطناعي يستمع لمذكرة صوتية من المريض ويحدد فورًا أقرب موعد متاح، بينما يمكن لمطعم الاعتماد على وكيل ذكاء اصطناعي لإدارة طلبات واتساب خلال أوقات الذروة دون إرهاق الموظفين. يعمل هؤلاء المساعدون على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.

هذا النوع من التفاعل يقلل الضغط على فرق خدمة العملاء، ويحافظ على سرعة الاستجابة، ويعزز رضا العملاء بشكل عام. ومع زيادة الاعتماد، سيصبح المساعدون الرقميون المتحدثون بالعربية جزءًا أساسيًا من التجارة الاجتماعية وخدمة العملاء والتفاعلات الرقمية اليومية في المنطقة.

ما يجب مراقبته في 2026 وما بعده: نمو الذكاء الاصطناعي المادي عبر الصناعات

يشير مصطلح الذكاء الاصطناعي المادي إلى الأنظمة التي تتجاوز البرمجيات وتتفاعل مع العالم الحقيقي، مثل الروبوتات والطائرات المسيرة. بدأت دول الخليج مؤخرًا في تجربة هذه التقنيات، ومن المتوقع أن يشهد عام 2026 اعتمادًا أوسع.

في المواقع الصناعية، ستقوم الطائرات المسيرة بتفقد خطوط الأنابيب واكتشاف الشقوق قبل أن تصبح خطرة. على سبيل المثال، يمكن استخدام الطائرات المسيرة لمراقبة محطات الطاقة الشمسية لاكتشاف أي عطل أو خلل. في المراكز التجارية والمطارات، ستساعد الروبوتات الخدمية في الإرشاد أو تلبية الطلبات البسيطة للعملاء. من المتوقع أن تصبح هذه التقنيات جزءًا من الحياة اليومية في المنطقة، ويستحق الذكاء الاصطناعي المادي متابعة خاصة في 2026.

ملاحظة ختامية: بناء ثقافة بيانات قوية

حتى مع الأدوات المتقدمة للذكاء الاصطناعي، يعتمد التحول الرقمي الحقيقي على جودة بيانات الشركة. في 2026، ستتفوق المؤسسات التي تعامل البيانات كأصل استراتيجي وليس مجرد عنصر ثانوي. يشمل ذلك تنظيم البيانات الداخلية بشكل صحيح، وضمان فهم الفرق لكيفية عمل الذكاء الاصطناعي، وتشجيع التجربة بدلًا من الاعتماد فقط على العمليات التقليدية.

بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، سيكون تطوير ثقافة بيانات قوية أمرًا أساسيًا. يمكن للذكاء الاصطناعي تقديم القيمة الحقيقية فقط عندما تمتلك الشركات العقلية والهيكلية المناسبين للاستفادة القصوى منه.